فخر الدين الرازي

311

القضاء والقدر

هو أن هذا التفسير لا يليق بهذه الآيات الخمس . وذلك لأن قوله تعالى وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ « 1 » وكيف يجوز أن يقال : إني لم أرسل رسولا إلا بلسان قومه ليبين لهم الغرض من التكاليف ، ثم يقول بعده : إني أضللتهم عن الدين ؟ فإنه لا تعلق لهذا الكلام بما قبله ، ويصير الكلام ركيكا . فثبت بهذه الوجوه : أنه لا يمكن أن يكون المراد من قوله يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ خلق الكفر والجهل فيهم . وإذا ظهر هذا ، علمنا أن المراد منه شيء آخر . وحينئذ لا نحتاج إلى تعيين ذلك المراد في مقام الجدل . ثم إنا نبين وجوها كثيرة تحتملها هذه الآية : فالتأويل الأول : إن الرجل إذا ضل باختياره عند حضور شيء من غير أن يكون لذلك أثر في ضلاله . فيقال لذلك الشيء : إنه أضله . قال تعالى في حق الأصنام : رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ « 2 » أي ضلوا عند رؤيتها . وقال تعالى : وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً . وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً « 3 » أي ضل كثير من الناس عند رؤيتهم . وقال : وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً « 4 » وقال أيضا : فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً « 5 » أي لم يزدادوا بدعائي لهم إلا فرارا . وقال أيضا : فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا ، حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي « 6 » ومعلوم : أنهم لم ينسوهم في الحقيقة ، بل كانوا يذكرونهم اللّه ويدعونهم إليه . لكن لما كان استغناؤهم بالسخرية منهم سببا في نسيانهم ، أضيف النسيان إليهم . وقال أيضا في سورة التوبة : وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً . فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً ، وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ . وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ، فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ « 7 » فأخبر سبحانه : أن نزول السورة المشتملة على الشرائع تفرق أحوالهم . فمنهم من يصلح عند نزولها ، فيزدادوا إيمانا ، ومنهم من يفسد حينئذ ، فيزدادوا كفرا . فلا جرم أضيفت الزيادة في الإيمان ، والزيادة في الكفر ، إلى السورة لأجل أن تلك الزيادة إنما حصلت عند نزول تلك السورة . إذا عرفت هذا فنقول : إنما أضيف الهدى والإضلال إلى اللّه تعالى على هذا الوجه ، وذلك لأنهما لو كانا يحدثان من العبد عند فعل مخصوص يفعله اللّه تعالى ، لا جرم أضيفا إلى اللّه تعالى ، وإن كانا في الحقيقة إنما يحصلان بإيجاد العبد وتكوينه .

--> ( 1 ) سورة إبراهيم الآية 4 . ( 2 ) سورة إبراهيم الآية 36 . ( 3 ) سورة نوح الآية 23 - 24 . ( 4 ) سورة المائدة الآية 68 . ( 5 ) سورة نوح الآية 6 . ( 6 ) سورة المؤمنون الآية 110 . ( 7 ) سورة التوبة الآية 124 - 125 .